ابن كثير

354

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

على ما عاهدوا عليه وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً . . . وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ . وقوله تعالى : لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب ، فيظهر أمر هذا بالفعل ، وأمر هذا بالفعل ، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه ، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم حتى يعملوا بما يعلمه منهم ، كما قال تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [ محمد : 31 ] فهذا علم بالشيء بعد كونه وإن كان العلم السابق حاصلا به قبل وجوده ، وكذا قال اللّه تعالى : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [ آل عمران : 179 ] ولهذا قال تعالى هاهنا لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ أي بصبرهم على ما عاهدوا اللّه عليه وقيامهم به ومحافظتهم عليه وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وهم الناقضون لعهد اللّه المخالفون لأوامره فاستحقوا بذلك عقابه ، وعذابه ، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا إن شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه فيعذبهم عليه ، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان والعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان ، ولما كانت رحمته ورأفته تبارك وتعالى بخلقه فهي الغالبة لغضبه قال إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 25 ] وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً ( 25 ) يقول تعالى مخبرا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية ، ولولا أن اللّه جعل رسوله رحمة للعالمين ، لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العقيم التي أرسلها على عاد ، ولكن قال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] فسلط عليهم هواء فرق شملهم كما كان سبب اجتماعهم من الهوى ، وهم أخلاط من قبائل من قبائل شتى أحزاب وآراء ، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم ، وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحنقهم ، ولم ينالوا خيرا لا في الدنيا مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم ، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالعداوة وهمهم بقتله واستئصال جيشه ، ومن هم بشيء وصدق همه بفعله ، فهو في الحقيقة كفاعله . وقوله تبارك وتعالى : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ أي لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم ، بل كفى اللّه وحده ونصر عبده وأعز جنده ، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول « لا إله إلا اللّه وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، فلا شيء بعده » « 1 » أخرجاه من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . وفي الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن عبد اللّه بن أبي أوفى رضي اللّه عنه قال : دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في العمرة باب 12 ، والدعوات باب 52 ، ومسلم في الحج حديث 428 .